الكراكيوزي (كراكوز)

مسرح خيال الظلّ في اليونان

يجسّد مسرح خيال الظلّ أو «الكراكيوزي» (كراكوز) في اليونان، التعبير الشعبي الأصيل لأهواء ورغبات الأمّة الهيلينية، ويُعتبر جزءاً لا يتجزّأ من التقاليد الفنيّة الشعبية، فضلاً عن أنَّه ارتبط ارتباطاً عضوياً بالمجتمع الذي اقترن بشخصيّة الفرد البسيط الفقير، والمعبّر الأساسي عن أوجاعه ومعاناته. وقد لا يُعترَف بدوره في المجتمع عموماً، لكنّه أداة حيّة يقدّم للمشاهدين الصغار منهم والكبار، إبداعاً تعبيريّاً غير محدود.
الأرض في مسرح فن تحريك الدمى «الكراكيوزي»، هي عبارة عن حاجز خشبي يثبت عليه قماشٌ أبيض، يفصل المشاهدين عن المحرّك. ومن داخل المسرح، مجموعة من الشخوص المصنوعة من جلد الحيوان، أو الكرتون والبلاستيك، أو ألواح الحديد، التي توضع على قضيب رفيع. تطفأ الأنوار ثم يُضاء من داخل المسرح مصباح زيتي، أو عدَّة شموع، فتظهر خيالات الشخوص على الشاشة. وتنعكس من الجهة الأخرى، فيراها المتفرجون واضحة ويبدأ المحرك بتحريكها بالعصا، وهو يؤدّي بصوته الحوارات التي تنطق بها الشخوص.
تنقسم شاشة القماش إلى قسمين: بصري وإيديولوجي، قسم أيمن وآخر أيسر. فمن ناحية اليمين لجهة الجمهور، توجد السرايا التي يقطن فيها المسؤول الرفيع المستوى «الباشا أو الوزير» . ومن ناحية اليسار، يوجد كوخ «الكراكيوزي»، المواطن الأكثر فقراً.
أهم شخصيتين هما: «الكراكيوزي»(كراكوز) النجار، و»خاتزيافاتيس» (عواظ). وكان «الكراكيوزي»، بحسب المصادر اليونانيّة، يعمل عند «خاتزيافاتيس» متعهّد بناء سرايا الباشا العثماني الذي لاحظ أنَّ العمل يسير ببطء. فلمَّا سأله عن السبب، قال له إنَّ «الكراكيوزي» يسرد النكات من دون انقطاع ويلهي باقي العمال الذين يستمعون إليه. ولمَّا لم يفلح الباشا في ثنيه عن سرد القصص الطريفة، أمر بقطع رأسه، الأمر الذي أثار حفيظة الشعب، وهو ما حدا بالباشا إلى بناء تمثال له في مدينة «بورصة». لكن من شدّة ندم الباشا على ما اقترفه، أصيب بالمرض. ولكي يخفّف الآغوات عنه، قاموا باستدعاء «خاتزيافاتيس» الذي قصّ قطعة كرتون تمثل شخص «الكراكيوزي»، وشدّ قماشاً أبيض وأضاءه بمصباح زيتي، وقدم عرض «الكراكيوزي» الهزلي، فشفي الباشا، وأمره بالاستمرار في تقديم عروضه المسرحية.
لا يمكن التحقّق من الرواية التي تناقلتها الألسن، وقد تباينت الآراء حول نشأة بطل مسرح الظل المدعو «Karaghiozis» وصديقه. لكن المصادر، بالرغم من الاختلاف الحاصل في بعض الحيثيات، تُجمع على وجودهما في مدينة بورصة، شمال غرب تركيا.

وكانت معظم الحضارات القديمة قد عرفت فن تحريك الدمى، وعُثر على نص يشير إلى استخدامها في العام 420 قبل الميلاد من قبل اليونانيين القدماء. ويذكر الراوي اليوناني أنَّ الدراويش كانوا يعلّمون فن «الكراكيوزي» خلال فترة صوم شهر رمضان، وكان «الكراكيوزي» يظهر في دور المخطئ التائب، بناءً على نصائح صديقه «خاتزيافاتيس».
شخصيات مسرح خيال الظلّ اليوناني:
يمثّل «الكراكيوزي» نموذج الفقير اليوناني، فهو أحدب طويل الأنف، حافي القدمين، رثّ الثياب، لا يهتم بنظافته الشخصية وصاحب فلسفة حياة خاصة به. ساخر ذكي ودراماتيكي شعبي، يمثل العنصر اليوناني المظلوم والمهدورة حقوقه.
وبالرغم ممَّا يعانيه من اضطهاد، يحافظ على القوة والجرأة والأمل.. يهزأ بالسلطة، وطني أصيل يمزج بين فضائل ونواقص الذاتيّة اليونانية. يظلّ على سجيته، مطلقاً نكاته القاسية بين الحين والآخر، ولكنه طيّب القلب وجاهز للانغماس في جميع القضايا بالرغم من خموله. ويهتمّ بكل شاردة وواردة.. إنه باختصار مرآة للفرد والمجتمع.
أمّا «خاتزيافاتيس»، فهو المنافق الماكر والمتملّق المستفيد من الاحتلال العثماني، الضعيف والمتزلّف أمام السلطة بأشكالها كافة، يبدي كل وداعة إلى أن يحصل على مراده. ويمثّل البرجوازي الانتهازي ويعمل قارئاً للفرمانات وسمساراً.. يظهر بمظهر المثقف اجتماعياً أكثر من «الكراكيوزي»، ويسعى دائماً لتصويب أعمال صديقه ووضع كلامه في قالب من اللباقة المصطنعة والدماثة المتكلّفة.
الباشا، يمّثل السلطة العثمانية وهو الناطق باسمها، فاخر الهندام ومنمّق الحديث، يحاول دائماً فرض هيبته وسلطته على الناس.
اليهودي «سولوموس» يمثّل تاجر المدينة الغني البخيل الماكر والجبان. أمَّا المثقّف فهو على شكل قزم، ضخم الرأس وطويل الأنف يخرج صوته منه.. وعندما يصفعه «الكراكيوزي» ينادي أمه.. ويفقد وعيه كلّما أصيب بالخوف.
المواضيع الدراميّة التي يتناولها مسرح خيال الظلّ في اليونان، وفيرة ومنها الثورة ضدّ الظلم والاحتلال والغنى والفقر والإرث المسرحي القديم.. وتعكس الظروف التي كانت سائدة حينها، بالإضافة إلى عروض أعمال من الأدب العالمي.
وبالرغم من أنَّ مسرح الدمى أمسى مهدداً بالانقراض في العديد من البلدان، أدَّت المحاولات الحثيثة للفنان اليوناني افيانيو سبثاري إلى إعادة إحياء هذا البطل الشعبي اليوناني، ولا تزال تقاليد هذا النوع من المسرح تقدَّم من قبل العديد من الفنانين، وتحظى بمتابعة من الجمهور العريض الذي ينظر إليها بنوع من الحنين الأزلي، ولا سيما في البلاد التي احتضنت ولادة المسرح، أب الفنون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*